عبد الملك الجويني
396
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو اشترى سمناً في بُستوقةٍ ( 1 ) وهو يرى الغِلَظَ والدقة من رأس البستوقة ، والغالب على الظن أنها لا تتفاوت ، فالذي يقعُ الحكمُ به ظاهراً الصحَّةُ ، فإن بان تفاوتٌ في غلظ الداخل على خلاف الاعتياد ، التحقت المسألةُ بالصُّبرة التي يبين تحتها دكة . وقد تفصل المذهب فيه . 3317 - فإن قيل : إذا كان العيان لا يفيد إعلامَ المقدار ، ولا تغليبَ الظن ، فقد ألحقتم القولَ فيه ببيع الغائب ، فبم تنكرون على من يقول : إذا كان المبيع متساوي الأجزاء ، ولم يختلف ظاهره وباطنه ، وإنما بان تفاوتٌ في المقدار ، فالبيع صحيح ، فإن صحَّةَ البيع تعتمد العلمَ بصفةِ المبيع ، لا بمقدارِه ؛ فإن المقدارَ إنما يراعى في عقود الربا ؟ قلنا : القدر معني من المبيع ، كما أن الصفة معنيّهٌ منه ، ولعلّ القدرَ أوْلى بالرعايةِ ؛ فإن المقدار من المبيع مبيعٌ ، والصفةُ لا تستحق إلا تبعاً ، وإنما صح بيع الصُّبرة على الاستواءِ من الأرض ؛ من حيث إن العِيان يحصرها ويحيط بها . فإن قيل : العيان لا يقدّر الصبرة إلا خرْصاً وحزْراً ، وقد لا يعرف الحَزْر إلاَّ الخواصُّ من الناس ، ثم صح البيع ، دلَّ أن القدرَ ليس معنِياً ، ولما كان القدر معنيّاً معتبراً في الربويات ، لم يجز التعويلُ فيها على العيان . واعتقد مالكٌ ( 2 ) الاعتناءَ بمعرفة المقدار ، فمنع بيع الصُّبرة جزافاً بالدراهم ، ومنع بيع السلعة بكف من الدراهم جزافاً . قلنا : أما الربويات ، فالتعويل فيها على التعبد ، وما تعبدنا فيه بالكيل لا نقنع فيه بالوزن ، وإن كان أَحْصرَ . وأما ما ذكره السائل من الحزر ، واختصاص بعض الناسِ به ، فصحيح . ولكن العقد يبتنى على إحاطة العيان ، لا على إحاطة المقدار ؛ فالذي عاين الصُّبرة واشتراها ، اعتقدَ أن الصبرةَ إلى استواء الأرض حنطةٌ ، وربط العقدَ به ، فهذا هو المعتبرُ لا الحزر .
--> ( 1 ) البُستوقة : القلة من الفخار . تعريب ( بستو ) ( معجم الألفاظ الفارسية ) . ( 2 ) ر . الإشراف للقاضي عبد الوهاب : 2 / 573 مسألة 951 .